الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

474

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وانتهائه بذلك إلى اليقين حيث لم يقم دليل قاطع على حجية ظن المجتهد في المقام كما عرفت من ملاحظة أدلتهم لم يصح له الاعتداد بظنه فيكون جاهلا بتكليفه فيما حصل له ظن بالحكم من المسائل التي اجتهد فيها ومع اندراجه في الجاهل يتعين عليه الرجوع إلى المجتهد في استعلام الأحكام الشرعية لما دل من الأدلة من وجوب رجوع الجاهل إلى المجتهد فينتظم قياس بهذه الصورة المتجزي جاهل بتكاليفه المتعلقة به في الشريعة وكل جاهل يجب عليه الرجوع إلى العالم أما الصغرى فلما قررناه وأما الكبرى فللأدلة الدالة عليه المقررة في محله وقد يناقش فيه بعدم ظهور شمول ما دل على وجوب التقليد لمثله لعدم شمول الإجماع للمقام نظرا إلى شياع الخلاف فيه بل ذهاب الأكثر إلى خلافه وأما غير ذلك من الأدلة الدالة عليه لو قلنا لشمولها كذلك فهي أيضا ظواهر لا تفيد القطع وقد يذب عنه بأن وقوع الخلاف في المقام إنما هو من جهة البناء على حجية ظنه وأما مع البناء على عدم الاعتماد به وعدم حجيته فلا ريب في وجوب تقليده ثالثها الاستصحاب فإنه قبل البلوغ إلى درجة التجزي كان مكلفا بالتقليد فيجب عليه التقليد إلى أن يثبت خلافه ببلوغه إلى درجة المطلق إن حصل له ذلك والقول بعدم جريانه فيمن بلغ درجة التجزي أول بلوغه أو قبله فلا يتم به المدعى مدفوع بإمكان تتميم المقصود حينئذ بعدم القول بالفصل وفيه أن جواز احتجاج المتجزي بالأصل المذكور أول الكلام إذ لا فرق بين إجرائه الاستصحاب في المقام أو في المسائل الفقهية مما يجري فيه ذلك فلا يصح استناده إلى ذلك إلا بعد إثبات كونه حجة في شأنه ومعه يتم المدعى ولا حاجة إلى الاستناد على الاستصحاب على أنه منقوض بما إذا بلغ درجة الاجتهاد المطلق ثم صار متجزيا فإن قضية الاستصحاب حينئذ بقاؤه على العمل بظنه رابعها ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة المروية عن الصادق عليه السلام انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما قد جعلته عليكم حاكما فإن الجمع المضاف حقيقة في العموم فإن لم يكن يراد به الاستغراق الحقيقي فلا أقل من حمله على العرفي بأن يعرف جملة وافية من الأحكام بحيث يعد مع علمه بها عارفا بالأحكام وقد يناقش فيه بأن كون الإضافة فيه جنسية بقرينة ما يقدمه من المفرد المضاف الظاهر في الجنسية وليجمع بينه وبين رواية أبي خديجة المتقدمة ومع الغض عن ذلك فأقصى ما يفيده الرواية اعتبار الإطلاق في نصبه للقضاء والرجوع إليه في الحكومات وأين ذلك من الرجوع إليه في الفتيا بل حجية ظنه بالنسبة إلى نفسه كما هو المدعى ودعوى الملازمة بين الأمور المذكورة ممنوعة فلا يثبت بها المدعى ولو سلم ذلك فليس في الرواية دلالة على اعتبار الظن سواء تعلق بالكل أو بالبعض إذ المفروض فيها هو العلم الظاهر في اليقين إلا أن يقال إنه إذا اعتبر الإطلاق في نصبه للقضاء في صورة تحصيله العلم بالأحكام فاعتباره عند تحصيله الظن بالأولى ولو سلم حمله على الأعم من الظن فأقصى ما في الرواية الدلالة على اعتبار ظن المجتهد المطلق وأما ظن المتجزي فلا دلالة فيها على اعتباره ولا عدمه خامسها أن القول بجواز رجوع المتجزي إلى ظنه يستلزم الدور وقد يقرر ذلك بوجوه منها ما قرره الفاضل الجواد من أن صحة اجتهاد المتجزي في مسائل الفروع متوقفة على صحة اجتهاده في مسألة المتجزي وصحة اجتهاده في مسألة التجزي موقوفة على صحة اجتهاد المتجزي مطلقا لكونها من جزئيات تلك المسألة حيث إنها مسألة اجتهادية فالموقوف عليه في الثاني وإن لم يكن خصوص التوقف في الأول لكنه أعم منه بحيث يندرج ذلك فيه اندراج الخاص تحت العام الأصولي وهو كاف في لزوم الدور وأورد عليه بمنع كون صحة اجتهاده في مسائل الفروع متوقفة على صحة اجتهاده في مسألة التجزي وإنما يتوقف على صحتها نفسها ومع الغض عنه فالتوقف فرع وظاهر أن صحة اجتهاده في المسائل الفرعية هي عين صحة اجتهاده في تجزي الاجتهاد قلت إن أريد بتوقف صحة اجتهاده في مسائل الفروع على صحة اجتهاده في جواز التجزي أن مطابقة اجتهاده في الواقع يتوقف على ذلك فهو واضح الفساد إذ لا يعقل توقف بينهما وإن أريد أن جواز عمله بما اجتهد فيه من المسائل يتوقف على جواز عمله بما اجتهد فيه من جواز التجزي ففيه أيضا ذلك وإنما يتوقف على جواز التجزي في نفسه كما أن جواز عمله بما اجتهده من جواز التجزي يتوقف على ذلك أيضا فغاية الأمر أن لا يكون عالما بالجواز فلا يعقل الدور على شيء من التقريرين المذكورين ويمكن أن يقال إن المراد بذلك أن حكم المتجزي بجواز اجتهاده في المسائل الفقهية وجواز عمله به في حكمه يتوقف على حكم بصحة اجتهاده في جواز التجزي وحينئذ فالتوقف ظاهر لا إشكال فيه لوضوح أن حكمه بجواز عمله في كل مسألة اجتهد فيها بالظن المتعلق فيها مبني على ثبوت كلية الكبرى الواقعة في استدلاله على جواز عمله بظنه في تلك المسألة كما أن المجتهد المطلق يتوقف حكمه بجواز عمله بظنه في خصوص المسائل على أن كل ما يظنه المجتهد المطلق أو عن الأدلة الخاصة حجة في شأنه لينتظم له قياس بهذه الصورة هذا الظن مما حصل للمجتهد المطلق وكل ظن حصل للمجتهد المطلق فهو حجة في حقه لينتج أن ظنه المتعلق بكل من المسائل الخاصة حجة في حقه فإن نظير ذلك جار في حق المتجزي وبيانه لكلية الكبرى هو إثباته للمتجزي فإنكار التوقف مما لا وجه له ودعوى اتحاد الأمرين غير معقول أيضا وتوقف حكمه بصحة اجتهاده في جواز التجزي على حكمه بحجية ظن المتجزي مطلقا ظاهر أيضا أن ذلك أيضا مسألة ظنية على نحو سائر المسائل الفقهية فيتوقف علمه بحجية ظنه فيها على علمه بتلك الكلية الواقعة في كبرى القياس الدال على حجية ظنه به وقد يورد عليه بأن الحكم بقبول الاجتهاد للمتجزي من المسائل الأصولية فيتوقف جواز الاجتهاد في الفروع على جواز الاجتهاد في تلك المسألة الأصولية ليتوقف جواز الاجتهاد في تلك المسألة على جواز التجزي في الاجتهاد مطلقا بل على جواز التجزي في المسائل الأصولية وهو خارج عن محل الكلام بل لا خلاف في جوازه على ما قيل فلا دور وأيضا لا ملازمة بين التجزي في مسائل الفروع والتجزي في الأصول فقد لا يكون متجزيا في الأصول بأن يكون قادرا على استنباط جميع مسائله بل محصلا له عن أدلتها فلا يتوقف العلم بالتجزي في الاجتهاد على العلم بالتجزي أصلا كيف ولو ذكر لجرى ذلك بعينه في شأن المطلق إذ جواز اجتهاده في المسائل الفقهية يتوقف على جواز اجتهاده في جواز الاجتهاد وهو أن اجتهاده في هذه المسألة يتوقف على جواز اجتهاده في المسائل تكون تلك المسألة أيضا كغيرها من المسائل والجواب في المقامين أمر